مدينة الضباب: تاريخ لندن منذ ألفي سنة

london

لندن عاصمة المملكة المتحدة، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً. وتحوي المقر الرسمي للملكة (قصر بانكنجهام) ومباني البرلمان (مجلسا العموم واللوردات). هي بين أكبر مدن أوروبا لناحية الكثافة السكانية، إذ يقطن فيها وفي ضواحيها حول ١٣ مليوناً يتحدرون من مختلف أنحاء العالم، ويتحدثون حوالى ٢٣٠ لغة بينها العربية المنتشرة في مناطق عدة (بالأخضر على الخريطة).

lang

خريطة اللغات في العاصمة البريطانية وتبدو اللغة العربية بالأخضر

  لندن في التاريخ

يعود تاريخ لندن إلى ألفي عام، وفقاً لبعض الروايات، إذ يُقال إن بروطس أوف تروي ( Brutus of Troy) أنشأها عام ٤٣ بعد الميلاد بعد معركة هزم فيها عملاقين اسمهما “جوج وماجوج”. ولم يجد العلماء أي أثر للعاصمة البريطانية في العصور التاريخية القديمة، إذ يبدو أن بعض القرى الصغيرة أنشئت على ضفاف نهر الثايمز، المُسمى تمس فقط باللهجة الانكليزية، ولكنها لم تشكل مركزاً سكنياً حتى الغزو الروماني عام ٤٣ بعد الميلاد. أنشأ الرومان بعد ٧ سنوات على الغزو، بلدة سكنية اسمها لوندونيوم في المكان الحالي للعاصمة البريطانية. في حلول القرن الخامس ميلادي، بدأت الامبراطورية الرومانية بالتراجع سريعاً، وانهار الاحتلال الروماني لجزيرة بريطانيا عام ٤١٠ ميلادية، ومعها التقاليد المدينية الرومانية في نهاية القرن ذاته. وعندها بدأ العهد الأنجلوسكسوني، وفقاً للآثار المختلفة.

لندن كانت تابعة لامبراطورية ساكسون الوسطى التي يتحدر منها اسم مقاطعة “ميدل سكس”. وباتت المسيحية الديانة الأساسية في لندن عام ٦٥٠، إلا أن الملك سايبرت اعتنق المسيحية عام ٦٠٤ واجترح فيها منصب كبير الأساقفة بعدها الذي عُين في كاتدرائية القديس بول، وهي معبد ديانا الروماني سابقاً.

في القرون اللاحقة وحتى القرن التاسع ميلادي، تعرضت لندن لغزوات من عصابات الفياكينج الدنماركية حتى سيطرة النورمان (الفرنسيين) عليها، وهو حكم استمر حتى القرن السادس عشر ميلادي.

بعد الغزو النورمان لجزيرة بريطانيا، أُقيمت أسوار جديدة حول لندن، بينها برج لندن الشهير. كان ذلك حتى احتلال الملك الفرنسي لويس لندن التي بقيت تحت النفوذ الفرنسي ثقافياً وسياسياً حتى تنصيب الملك هنري الثالث مطلع القرن الثالث عشر. بعدها ولقرون، انتزعت لندن الأثر الثقافي الفرنسي منها، ولعبت دوراً رئيسياً في تأسيس اللغة الانجليزية، وهي الأشهر في العالم حالياً.

عام ١٣٨١، وقعت ثورة فلاحين في لندن، قادها وات تايلور، انتهت بقتل كبير الأساقفة وكبار المسؤولين، وانهارت بعد مقتل قائدها طعناً في مواجهة شخصية مع العمدة. خلال القرون الوسطى، ازدهرت التجارة عبر لندن، ما أدى الى ارتفاع عدد سكانها من ١٥ ألفاً عام ١١٠٠ إلى ٨٠ ألفاً مطلع ١٣٠٠. إلا أن المدينة المزدهرة حينها خسرت نصف سكانها نتيجة وباء الطاعون المسمى بالموت الأسود منتصف القرن الرابع عشر. لكنها سرعان ما تعافت من الأوبئة نتيجة التجارة. كما لعبت لندن دوراً رئيسياً خلال الاصلاح الانكليزي، أي الانفصال عن البابا والكنيسة الكاثوليكية إبان عهد الملك هنري الثالث الذي أراد الطلاق من زوجته بعد وقوعه في حب امرأة ثانية.

لندن في القرون الوسطى كانت مكونة من منازل خشبية وأحياء ضيقة، ما عرّضها للحرائق وانتشار الأوبئة. إلا أن المدينة وفي القرون اللاحقة بدأت بالتوسع نتيجة قرار هنري الثالث الذي انعكس على قطاع العقارات المملوكة سابقاً للكنيسة الكاثوليكية (كان أكثر من نصف لندن تقريباً ملكها).

في القرن الثامن عشر، شهدت العاصمة البريطانية ازدهاراً بدأ مع توحيد البرلمان الاسكتلندي والانكليزي لتأسيس امبراطورية بريطانيا العظمى عام ١٧٠٧، ثم تلاها بعد عام الانتهاء من بناء كاتدرائية القديس بول يوم عيد ميلاد كريستوفير رن. وكانت الكاتدرائية قد احترقت عام ١٦٦٦في حريق لندن العظيم الذي أودى بغالبية منازل المدينة (٧٠ من أصل ٨٠ ألفاً) رغم أن عدد القتل لم يتجاوز أصابع اليد. يذكر أن الحريق بدأ في مخبز ثم دام ٣ أيام ليحرق بقية المدينة.

لندن اكتست مزيداً من الأهمية بعد انتصار الامبراطورية البريطانية في حرب السبع سنوات بين القوى العظمى في أوروبا. خرجت بريطانيا العظمى بهيبة كبرى بين قوى العالم. وفي العهد الجورجي، أي في القرن الثامن عشر، توسعت لندن غرباً لتشمل مناطق جديدة مثل مايفاير الراقية، إذ أقامت الطبقة الارستقراطية الثرية في الشطر الغربي الجديد من المدينة، ما جعلها الأجمل عمرانياً وما زالت كذلك حتى يومنا هذا.

القرن التاسع عشر كان أساسياً في تاريخ لندن التي تحولت الى أكبر مدينة في العالم، إذ ارتفع عدد سكانها من مليون عام ١٨٠٠ إلى ٦.٧ مليون بعد مئة سنة. وباتت عاصمة الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، مركزاً عالمياً للمال والتجارة . إلا أنها كانت أيضاً مدينة يعيش فيها ملايين الفقراء الذين خلد تشارلز ديكنز معاناتهم في رواياته كـ”أوليفر تويست” (١٨١٠) وغيرها. وزادت من أهمية لندن القطارات التي أُقيمت وسهُلت المواصلات. وفي منتصف القرن الثامن عشر، ونتيجة المجاعة الكبرى في إيرلندا، قدم مهاجرون ايرلنديون بأعداد كبيرة حتى شكلت الجالية تقريباً ٢٠ ٪ من سكان المدينة. كما هاجر العديد من اليهود إلى العاصمة البريطانية، إضافة الى جنسيات مختلفة من مختلف أصقاع الامبراطورية البريطانية.

دخلت لندن القرن العشرين عاصمة أكبر امبراطورية في العالم، وخضعت لتحسينات على مختلف الصعد، ولا سيما انشاء شبكة مترو الأنفاق الداخلية. إلا أن الحرب العالمية الأولى سرعان ما حطت رحالها، إذ شنت ألمانيا سلسلة غارات أودت بحياة ٧٠٠ شخص. بين الحربين العالميتين، اتسعت مساحة لندن جغرافياً لتصلها بمناطق مجاورة مثل ساري وميدلسكس وكينت.

شارع أكسفورد عام ١٩٠٩

شارع أكسفورد عام ١٩٠٩

في الحرب العالمية الثانية، تعرضت لندن إلى قصف مكثّف من الطيران الألماني أدى الى تدمير قطاعات واسعة من المدينة. ونزح مئات آلاف السكان الى الريف الانكليزي للابتعاد عن القصف، في حين لجأ ما تبقى من السكان الى محطات قطارات الأنفاق للإحتماء. وباتت صورة الدخان المتصاعد من كاتدرائية القديس بول في لندن، رمزاً للدمار اللاحق بالمدينة خلال الحرب العالمية الثانية. وأودى القصف الألماني بحياة ٣٠ ألفاً من سكان لندن، وترك ٥٠ ألف مصاب بإعاقات دائمة.

لندن خلال عمليات القصف الألماني عام ١٩٤١

لندن خلال عمليات القصف الألماني عام ١٩٤١

ومباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونتيجة الدمار الكبير اللاحق بالمدينة، شهدت لندن للمرة الأولى في تاريخها انشاء أبراج سكنية شاهقة لإسكان عدد كبير من الناس. لكن الادارات المتلاحقة للعاصمة، وبعد شكاوى عديدة من الأثر السلبي للمباني الشاهقة على الهوية المعمارية للمدينة، دعت سكانها إلى الانتقال لبلدات جديدة أُنشئت في محيط لندن. لعبت وكالة منظمة اللوتو الوطنية البريطانية دوراً مهماً في إعادة ترميم أجزاء مهمة من التراث البريطاني، إضافة إلى بناء منشآت جديدة. وما زالت لندن حتى يومنا هذا، وبعد الألعاب الأولمبية عام ٢٠١٢، تشهد نمواً متزايد ويُتوقع تجاوز عدد سكانها الثمانية ملايين قريباً جداً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*